أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
356
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله تعالى : وَلِكُلٍّ جَعَلْنا : فيه ستة أوجه ، وذلك يستدعي مقدمة قبله ، وهو أن « كل » لا بدّ لها من شيء تضاف إليه . واختلفوا في تقديره : قيل : تقديره : ولكلّ إنسان » ، وقيل : لكل مال ، وقيل : لكل قوم . فإن كان التقدير : « لكلّ إنسان » ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : « ولكلّ إنسان موروث جعلنا موالي » أي : ورّاثا ممّا ترك ، ففي « تَرَكَ » ضمير عائد على « كل » وهنا تم الكلام ، ويتعلق « مِمَّا تَرَكَ » ب « مَوالِيَ » لما فيه من معنى الوراثة . أو بفعل مقدّر أي : يرثون مما . « وموالي » مفعول أول ل « جعل » بمعنى صيّر ، و « لِكُلٍّ » جار ومجرور هو المفعول الثاني قدّم على عامله ، ويرتفع « الْوالِدانِ » على خبر مبتدأ محذوف . أو بفعل مقدر أي : يرثون مما ، كأنه قيل : ومن الوارث ؟ فقيل : هم الوالدان والأقربون ، والأصل : « وجعلنا لكلّ ميت ورّاثا يرثون ممّا تركه هم الوالدان والأقربون . والثاني : أنّ التقدير : « ولكلّ إنسان موروث جعلنا ورّاثا مما ترك ذلك الإنسان » ، ثم بيّن الإنسان المضاف إليه « كل » بقوله : الوالدان ، كأنه قيل : ومن هو هذا الإنسان الموروث ؟ فقيل : الوالدان والأقربون . والإعراب كما تقدّم في الوجه قبله . وإنما الفرق بينهما أن الوالدين في الأول وارثون ، وفي الثاني موروثون ، وعلى هذين الوجهين فالكلام جملتان ، ولا ضمير محذوف في « جَعَلْنا » ، و « مَوالِيَ » مفعول أول ، و « لِكُلٍّ » مفعول ثان . الثالث : أن يكون التقدير : ولكل إنسان وارث ممّن تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي : موروثين ، فيراد بالمولى الموروث ، ويرتفع « الْوالِدانِ » ب « تَرَكَ » ، وتكون « ما » بمعنى « من » ، والجار والمجرور صفة للمضاف إليه « كل » ، والكلام على هذا جملة واحدة ، وفي هذا بعد كبير . الرابع : وإن كان التقدير : « ولكل قوم » فالمعنى : ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب ممّا تركه والدهم وأقربوهم ، ف « لِكُلٍّ » خبر مقدم ، و « نصيب » مبتدأ مؤخر ، و « جعلناهم » صفة لقوم ، والضمير العائد عليهم مفعول « جعل » و « مَوالِيَ » : إمّا ثان وإمّا حال ، على أنها بمعنى « خلقنا » ، و « مِمَّا تَرَكَ » صفة للمبتدأ ، ثم حذف المبتدأ وبقيت صفته ، وحذف المضاف إليه « كل » وبقيت صفته أيضا ، وحذف العائد على الموصوف . ونظيره : « لكلّ خلقه اللّه إنسانا من رزق اللّه » أي : لكل أحد خلقه اللّه إنسانا نصيب من رزق اللّه . الخامس : وإن كان التقدير : « ولكلّ مال » فقالوا : يكون المعنى : ولكلّ مال ممّا تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي : ورّاثا يلونه ويحوزونه ، وجعلوا « لِكُلٍّ » متعلقة ب « جعل » ، و « مِمَّا تَرَكَ » صفة ل « كل » ، والوالدان فاعل ب « تَرَكَ » فيكون الكلام على هذا وعلى الوجهين قبله كلاما واحدا ، وهذا وإن كان حسنا إلا أن فيه الفصل بين الصفة والموصوف بجملة عاملة في الموصوف . قال الشيخ « 1 » : « وهو نظير قولك : « بكلّ رجل مررت تميمي » وفي جواز ذلك نظر » . قلت : ولا يحتاج إلى نظر ؛ لأنه قد وجد الفصل بين الموصوف وصفته بالجملة العاملة في المضاف إلى الموصوف ، كقوله تعالى : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 237 ) .